الخميس، 26 أبريل، 2012

القدس مدينة الزيتون








                                                                القدس مدينة الزيتون







عبر التاريخ، منذ بداية التاريخ الإنساني وحتى يومنا هذا..
لقد حملت القدس منذ الألف الثاني قبل الميلاد، أسماء متعددة تدل على قدمها وعلى مكانتها العظيمة في الحضارات القديمة، فهي «روشاليموم» في الكتابات المصرية التي يعود تاريخها إلى القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد، وهي «أورساليم» في مراسلات تل العمارنة المصرية التي يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وهي «أورشاليمو» في كتابات الملك «سنحاريب» الآشوري، في القرن السابع قبل الميلاد، وهي «هيروسوليما» في الكتابات والمصادر اليونانية والرومانية، وهي «بيت المقدس» و«القدس الشريف» و«المدينة المقدسة» في كتابات العهود العربية والإسلامية، ومن أسمائها أيضاً: مدينة الزيتون، ومدينة المسجد الأقصى..
ومعنى «أورساليم» يُعتقد أنه مركب من عنصرين لغويين، أي «مؤسسة الرب ساليم، وساليم في النصوص الأوغاريتية التي يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، هو أحد الأرباب المعروفة في أساطيرها وهو رب الشفق والفجر، ويميل بعض العلماء إلى تفسير الاسم بـ«مدينة السلام» و«أرض السلام» وذهب بعضهم إلى إعطاء معنى مجازياً للاسم بمعنى «مدينة الله» و«مدينة العدل» و«مدينة الحق» وغيرها من المعاني..
في الكتاب المهم الذي أصدرته المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة «الإسيسكو» عن «القدس الشريف» بقلم الزميل الدكتور شوقي شعث عام 1998م، تشير المعلومات الواردة فيه إلى استيطان إنسان ما قبل التاريخ القدس، ويعتقد أن ذلك الاستيطان كان فوق البقعة التي كان يقوم فيها الحي اليوناني في أعلى وادي ريفايم، Rephaim، فقد عثر هناك على عدة لقى أثرية تعود إلى تلك الفترة، إضافة إلى قطع وأدوات صوانية يعود تاريخها إلى العصر الآشولي تحمل صفات مشتركة مع قطع وجدت في كهوف يبرود السورية، وتشير التنقيبات الأثرية إلى وجود مدينة القدس في العصر البرونزي القديم في الألف الثالث قبل الميلاد، وبقايا سور المدينة يعود تاريخها إلى /1800/ قبل الميلاد، وخاصة تلك الحجارة الضخمة التي تقع أجزاء منها في السفح الشرقي للهضبة التي بنيت عليها المدينة.
لقد كانت مساحة القدس في عهدها الباكر، تحتل موقعاً تبلغ مساحته نحو /11/ فداناً، وتحدثنا نتائج التنقيبات الأثرية عن بقايا العصر البرونزي الوسيط الباكر التي لم يبق منها إلا أشياء قليلة، وأن المدينة أصبحت مزدهرة في العهد البرونزي الوسيط والمتأخر أي بين القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد، واستمرت بين تطور وازدهار وانحسار وضعف حتى خروج العرب المسلمين من الجزيرة العربية، يحملون عقيدة جديدة فيها خير للناس أجمعين، فاستطاعوا تحرير بلاد الشام كلها، ومن بينها مدينة القدس الشريف، حيث أصبحت منذ فتحها على يد الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب، مدينة عربية إسلامية، سنة 15هـ/638م.
*     *     *
لقد كانت حادثة «الإسراء والمعراج» وما ورد فيها من آيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، واتخاذ القدس أولى القبلتين، بداية اهتمام العرب المسلمين بهذه البقعة التاريخية من فلسطين والوطن العربي.. ثم كانت الخطوة الثانية حين حرر العرب المسلمون القدس الشريف من أيدي الروم البيزنطيين، وحضر الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب بنفسه ليشهد الفتح، ويزور الصخرة الشريفة، -صخرة المعراج- ويُعنى بها، ويقيم مسجداً إلى جوارها لا تزال آثاره ومعالمه باقية.. ثم جاءت الخطوة الثالثة التي عزّزت إلى الأبد مكانة بيت المقدس وحرمه الشريف في أنظار العالم الإسلامي، حين شيّد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان صرح المسجدين العظيمين، الأقصى وقبة الصخرة، وكان هذا العمل من الناحيتين العمرانية والمعمارية، وفق دراسة الزميل الدكتور عبد القادر ريحاوي، انطلاقة مبكرة، لم يعرفها تاريخ الحضارات من قبل، وسجّل تاريخ الفن والعمارة، بكل تقدير وإعجاب هذا الإنجاز العظيم لحضارة العرب والمسلمين.
لقد أولى خلفاء بني أمية القدس الشريف اهتماماً كبيراً، فقد أحبوا فلسطين والقدس لدرجة أن عبد الملك شغف بالإقامة في بيت المقدس، ودلّت نتائج التنقيبات الأثرية على بقايا القصور التي أقيمت في زمن بني أمية حول الحرم.. وتابع العباسيون هذا الاهتمام، حيث زارها الخلفاء، المنصور، والمهدي، والمأمون، وفي زمن العباسيين عاش المسلمون والمسيحيون في القدس في وفاق تام، وعندما ضعفت الدولة العباسية نتيجة النزاع على الخلافة، دخلت القدس وفلسطين في ولاية الطولونيين، وجاء بعدهم الاخشيديون، ثم أصبحت القدس في العهد الفاطمي مزدهرة ومشهورة بخصب تربتها وزيتونها وزيتها ومؤسساتها التعليمية والطبية، يقول عنها المقدسي في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم: مدينة القدس في هذا العهد بنيانها حجر، ولا نرى أحسن منه، ولاأتقن من بنائها، ولا أعف من أهلها، ولا أطيب من العيش بها، ولا أنظف من أسواقها، ولا أكبر من مسجدها، ولا أكثر من مشاهدها.. لقد جمعت الدنيا والآخرة». كما وصف «ناصر خسرو» المدينة حين زارها عام 1047م بقوله: «يحيط بالمدينة سور منيع، مبني بالحجارة، وللسور أبواب من حديد، يقطن فيها عشرون ألفاً من السكان، بينهم صناع كثيرون، ولكل صنعة سوق خاص بها».
لقد انتهز الإفرنج الخلافات والصراعات التي كانت قائمة بين الدولة الفاطمية والسلاجقة، فاغتصبوا مدينة القدس الشريف التي طالما سعوا إليها رغبة في تأمين طريق الحج المسيحي إلى الديار المقدسة –على حد زعمهم- وقد حاول الإفرنج أثناء حكمهم للمدينة تغيير معالمها، فوضعوا على الصخرة صليباً، وحوّلوا المسجد الأقصى إلى مقر لفرسان الداوية والاستبارية، وأقاموا عدداً من المباني الدينية، وعندما استردها السلطان صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين شهدت المدينة رخاء وتطوراً كبيراً فأقيمت فيها المدارس والمعاهد والأربطة والمستشفيات، وانتعشت الحركة التجارية، كما حظيت باهتمام السلاطين في العهد المملوكي، وكان الظاهر بيبرس في طليعة السلاطين الذين اهتموا بالمدينة، فقد زارها مرتين، كما زارها السلطان قلاوون والناصر محمد والأشرف قايتباي، وأقاموا فيها منشآت علمية كثيرة نجد بعضها لا يزال قائماً يدل على أنها كانت آية في الفن والعمارة..
وفي العهد العثماني رممت القلعة وبنيت منشآت معمارية كثيرة مثل: المساجد والتكايا والمدارس والسبل، بالإضافة إلى إعادة بناء قبة الصخرة وقيام العديد من الأبنية العامة، وجعلت القدس متصرفية مستقلة عام 1871م.
*     *     *
أهمية القدس التاريخية والدينية والعمرانية والمعمارية، دفعت المنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو» إلى تسجيلها في عداد الممتلكات الثقافية العالمية التي يجب الحفاظ عليها وصيانتها وترميمها، وقد درست هذه المعالم من قبل علماء ومؤسسات علمية عالمية منذ وقت مبكر في منتصف القرن التاسع عشر، حيث تمكنت البعثات من التعرّف عل سوار مدينة القدس القديمة والأنفاق والقنوات في وادي قدرون وقلعة القدس وغيرها..
لقد حظيت القدس بالاهتمام الكبير في جميع أنحاء العالم، ولم يكن هذا الاهتمام دينياً فقط، ولكنه اتسع ليشمل اهتمامات أخرى، حضارية وحضرية وثقافية  واجتماعية وسياسية وغيرها، ورغم اختلاف الدوافع من زمن إلى آخر، إلا أن المدينة بقيت مسرحاً لأحداث عظيمة ما زالت موضع بحث وتقويم حتى اليوم، ومازالت مدينة تنبض بالحياة، لم ينقطع ماضيها عن حاضرها، ولا يتوقع لمستقبلها أن يفعل ذلك..
في دراسته عن «الثقافة العربية وعروبة القدس» يقول الباحث الفلسطيني الدكتور إبراهيم الدقاق: «تواجه القدس اليوم مشكلات متعددة، يأتي في مقدمتها إعادة هيكلة المدينة، وهويتها على يد إسرائيل التي تسعى إلى إعطائها طابعاً هجيناً يجمع أسطرة الماضي اليهودي، بالقيم الغربية، وتشمل أيضاً تهديد هوية الفلسطينيين السياسية والثقافة واستمرارهم في الوجود في المدينة تحت الظروف القائمة الآن.. التي تخضع القدس لعملية تغريب واستلاب، وتخضع الهوية والثقافة الفلسطينية إلى عملية تفتيت مبرمج، ويتم ذلك من خلال إحداث طلاق كامل بين القدس كمدينة، وبين إنسانها الفلسطيني، وطلاق بين المدينة وتراثها وحضارتها، أي طلاق بين الجغرافية (السياسة المقدسية) التي استقرت عبر قرون طويلة، وبين هويتها وثقافتها التي أنتجتها».
تقوم إسرائيل منذ سنوات عديدة بتفريغ القدس من سكان العرب، وتقوم بعزل المدينة عن محيطها، وتحدث تشويهاً في تخطيطها الحضري، وتسعى مجموعات يهودية متعددة لهدم المسجد الأقصى والصخرة المشرّفة، وبناء هيكل يهودي مكانهما (الهيكل الثالث).. لذلك سكن الوجدان الفلسطيني منذ بدايات القرن الماضي هاجس الخوف على المدينة من الضياع بإيقاعه الرتيب المستنفر لأحاسيس التطيّر والقلق، وقد تعمّق هذا الشعور في عام 1948 وبعد ذلك في عام 1967، وهذا ما يفسّر جوهر الاهتمام الفلسطيني والعربي والإسلامي بالقدس، وهذه المشاعر تزداد تألقاً ووهجاً في كل لحظة يستشعر العرب والمسلمون خطراً أو تهديداً يحدق بالمدينة، ويعرّض كيانها ووجودها للضياع والاستلاب.
لقد تعرضت القدس العربية منذ احتلالها في عام 1967 وحتى اليوم إلى سلسلة من الإجراءات التعسفية والأخطار المحدقة التي تهدف إلى إحلال تراث إسرائيلي هجين في المدينة بعيداً عن تاريخ وتراث وحضارة وفنون قديمة شهدتها منذ آلاف السنين..
*     *     *
منذ اللحظات الأولى للاحتلال الإسرائيلي للقدس الشريف، قامت إسرائيل بتدمير واجتثاث حارة المغاربة، بما فيها من نسيج معماري وحضاري وإنساني دون رحمة أو شفقة، وقامت بعزل المدينة العربية عن محيطها، وبنت داخل المدينة المسّورة ما يسمى بـ«الحي اليهودي» أو «حارة اليهود» على حساب حارة الشرف العربية التي لم تكن تتجاوز عقارات اليهود فيها بضعة دور، وتم الاستيلاء على مجموعة كبيرة من البيوت العربية في قلب المدينة بعدة طرق وأساليب ملتوية، تحولت إلى سكن لمجموعات دينية متطرفة، وتوّجت هذه الإجراءات التعسفية القهرية بإنشاء مجموعة من المستوطنات التي شكلت حزاماً عازلاً للقدس عن محيطها العربي في بقية أجزاء فلسطين، وبجدار فصل عنصري أشبه ما يكون بقفص..
يقول المهندس يوسف سعيد النتشه، المختص بالآثار الفلسطينية: «لقد بالغت إسرائيل باستخدام جميع الوسائل والطرق الثقافية من أجل تفريغ المدينة من تاريخها وتراثها، ومن أولى الوسائل التي استخدمت، كانت محاولة تسويق شرعية الاحتلال الإسرائيلي عبر سلسلة من الحفريات الأثرية.. وشملت مواقع عديدة في أنحاء المدينة كافة، وخاصة حول المسجد الأقصى المبارك، على امتداد الجدار الجنوبي، وتم الكشف في هذه المنطقة عن مجموعة من القصور الأموية، وكان أخطر هذه الحفريات ماعرف مجازاً بحفريات النفق والتي جرت أسفل الجدار الغربي للمسجد الأقصى وموازاته، وقد تضررت المباني العربية الإسلامية الواقعة بمحاذاة الجدار الغربي من جراء هذه الحفريات»..
عمليات التهويد للقدس الشريف، دفعت منظمة اليونسكو ولجنة التراث العالمي إلى اتخاذ قرارات عديدة وإرسال بعثات دولية لدراسة أوضاع المدينة، ومنع التعديات على الآثار والأوابد الدينية المقدسة، والتراث الثقافي للبلدة، ولكن إسرائيل –كعادتها- ضربت عرض الحائط بكل المواثيق والقرارات، واستمرت بعمليات التهويد والتخريب للآثار العربية الإسلامية التي تحفل بها مدينة القدس..
في ظل هذه الأوضاع الحزينة والمؤلمة لمدينة الزيتون التي نحتفل بها عاصمة للثقافة العربية، ماذا يمكن عمله للمساعدة في النهوض الثقافي فيها؟!
إن ضخامة التحدي والجهود الكبيرة التي تقوم بها إسرائيل، لطمس معالم المدينة، يستدعي من الجهات العربية والإسلامية وضع خطة بعيدة المدى، للنهوض الثقافي بالمدينة، وحماية تراثها العربي والإسلامي مثل: إقامة المكتبات ودعم المتاحف والقيام بالتنقيب الأثري في المواقع المحيطة بالقدس، وترميم الأوابد والمباني التاريخية والدينية والمدنية التي يعود تاريخها إلى عهود تمتد منذ بدايات الإسلام وحتى العهود المتأخرة، والقيام بتوثيق معالم المدينة عن طريق إنتاج الأفلام الوثائقية عنها، وإعداد النشرات العلمية، والكتب والدراسات عنها ونشرها عالمياً بلغات متعددة، وتشجيع الصناعات التقليدية والحرف التي كانت تشتهر بها مدينة القدس منذ زمن طويل مثل: صناعة التطريز والحفر على خشب الزيتون، وصناعة الخزف والنقش على الصدف وغيرها..





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق